حيدر حب الله

155

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

ولو نحن رجعنا إلى اللغة العربية التي هي المرجع هنا ، لوجدنا أنّ التأويل من الأول ، فالتأويل يكون بمعنى إرجاع الشيء إلى الأوّل ، مثلًا تقول : أوّلتُ الأمر ، أي أرجعته إلى بدايته وأوّله ، وبهذه الطريقة يمكن فهم الحديث دون أيّ تكلّف ، فيكون المعنى : إنّ الرسول قد قاتل على أصل نزول القرآن الكريم لإثبات أصل نزوله وأصل الرسالة ، فيما كان قتال عليّ لخصومه قتالًا لإعادة الدين والرسالة إلى حالتهما الأول . فيكشف الحديث عن وجود انحراف قد حصل ، وأنّ مهمّة علي هي تصويب الانحراف وإعادة المشهد إلى زمانه الأوّل في العصر النبوي . وبتعبيرنا المعاصر : إحياء الدين المحمّدي . وثمّة إشارة لهذا المعنى في بعض صيغ هذا الحديث الواردة في إرشاد الشيخ المفيد ، ومسند ابن حنبل وغيرهما . وبناءً عليه ، يمكن القول بأنّ الانحراف الذي وقع في الأمّة طال البعد السياسي والإداري والعلائقي ، وإذا كان صراع عليّ وخصومه صراعاً سياسياً ، فهذا لا يعني أنّه لا يأخذ بُعداً دينيّاً وأخلاقيّاً وقيمياً ، فهناك الكثير من المفاهيم التي تمّ هجرها ونسيانها أو تشويهها ، وغدت العلاقات بين المسلمين سيئةً متهالكة على غير ما كانت عليه في العصر الأوّل ، كما غدت المعايير مختلفة عن عصر النبي الأكرم ، فالحديث يريد أن يقول بأنّ الصراع الذي وقع كان يصبّ في مآلاته في إعادة الموقف إلى الحالة الصحيحة في ممارسة الدين في الحياة على مستوى العلاقات بين الناس ، والعلاقات بين الراعي والرعية ، وعلى مستوى تقسيم الغنائم والأموال العامّة ، وعلى مستوى ممارسة السلطة ، وعلى مستوى المحسوبيات والقرابات والمصالح الخاصّة التي كانت تحدث هنا وهناك ، وعلى مستوى العدالة الاجتماعية بين العرب والموالي وغير ذلك ، وعلى مستوى العدالة